ابو القاسم عبد الكريم القشيري
294
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 30 ] وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ( 30 ) أما المسلمون فإذا وردوا عليهم ، وسألوهم عن أحوال محمد - صلى اللّه عليه وسلم ، وعما أنزل اللّه عليه ، قالوا : دينه حقّ ، واللّه أنزل عليه الحقّ . . والذين أحسنوا في الدنيا يجدون الخير في الآخرة . ويقال في هذه الدنيا حسنة ، وهي ما لهم من حلاوة الطاعة بصفاء الوقت ويصحّ أن تكون تلك الحسنة زيادة التوفيق لهم في الأعمال ، وزيادة التوفيق لهم في الأحوال . ويصح أن يقال تلك الحسنة أن يوفّقهم بالاستقامة على ما هم عليه من الإحسان . ويصح أن يقال تلك الحسنة أن يبلّغهم منازل الأكابر والسادة ، قال تعالى : « وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا » « 1 » ويصح أن تكون تلك الحسنة ما يتعدّى منهم إلى غيرهم من بركات إرشادهم للمريدين ، وما يجرى على من اتبعهم مما أخذوه وتعلموه منهم ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : لأن يهتدى بهداك رجل خير لك من حمر النعم » « 2 » . ثم قال : « وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ » ، لأن ما فيها يبقى ، وليس فيها خطر الزوال . ولأن في الدنيا مشاهدة وفي الآخرة معاينة « 3 » . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 31 ] جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ( 31 )
--> ( 1 ) آية 24 سورة السجدة . ( 2 ) سبق تخريج هذا الحديث . ( 3 ) نفهم من هذا أن المعاينة أعلى درجة من المشاهدة ، ونفهم كذلك أن المشاهدة - وهي تنم في هذه الدنيا - هي أقصى درجات المعراج الروحي عند أصحاب وحدة الشهود ، وكل قول بما يزيد عن ذلك خروج عن أصول هذا المذهب ، وقد نعى كثير من الباحثين على الغلاة والأدعياء والظالمين ، في هذا الخصوص .